المصدر
alarabiya.net
نابلس - سامر خويرة
أصيب الشاب أيمن بصدمةٍ بدت معالمها واضحة على وجهه حينما علم أن تكاليف زفاف صديقه سليم فاقت 20 ألف دينار أردني، (25 ألف دولار تقريبًا)، هذا غير المبالغ الأخرى؛ كتلك المتعلقة بلوازم قاعة الأفراح وفستان العروس وبعض الكماليات والتوابع.
ورغم كون المبلغ الذي دفعه العريس ليس بالكثير مقارنةً مع غيره الذين تصل تكاليف زفافهم إلى أضعاف مضاعفة، إلا أن ذلك يعتبر رقمًا كبيرًا ومبالغًا فيه بالنسبة لكثيرٍ من الفلسطينيين، حيث يرونه "بذخًا وترفًا زائدًا" لا داعي له نظرًا للظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها الأراضي الفلسطينية.
يقول أيمن لـ"الأسواق.نت": "أتفهم أن هناك من يريد أن تكون ليلة زفافه مميزة ومختلفة عن غيرها، وهذا حقهم، لكن ما لا أستطيع تقبله هو البذخ والترف الزائد الذي يتعمده البعض ويكلفه مبالغ طائلة".
ويدافع العريس سليم "30 عامًا" عما دفعه من مصاريف لإتمام حفل زفافه، قائلاً: "لقد تكلفت أكثر من 35 ألف دينار أردني منذ أن تقدمت لخطبة زوجتي حتى يوم الزفاف، موزعةً بين المهر واستئجار المنزل وتأثيثه وحفلة العرس ومتفرقات أخرى".
ويتابع: "مما لا شك فيه أن المبلغ الذي دفعته مرتفعٌ إذا ما قورن بباقي الأعراس التي تجري هنا، لكنها فرحة العمر لي ولزوجتي وأهلنا وأصدقائنا.. لقد عملت وجمعت المال لأعيش هذه الفرحة، وأنا سعيد بتلك الليلة، وأعتقد أن كل من شاركنا إياها أصابه ذات الشعور"، غير أنه في الوقت نفسه يعترف أنه لا يزال يعاني من مصاريف تلك الليلة، حيث اضطر إلى الاستدانة من بعض معارفه، ولم يسدد ما عليه بعد.
ورغم الأوضاع الاقتصادية السيئة في فلسطين، إلا أن مظاهر البذخ باتت سمة العديد من المناسبات الاجتماعية، وخاصةً في حفلات الأعراس وكذلك الاحتفالات بالناجحين في امتحان الثانوية العامة التي أُعلن عنها مؤخرًا في الأراضي الفلسطينية.
وتفاوتت آراء المواطنين في انتشار مثل هذه الظواهر التي أخذت بالطفو على السطح، ففي الوقت الذي يعتبرها أصحابها حقًا مشروعًا لهم ولمن يملك المال بأن يعبِّر عن فرحته بالطريقة التي يراها مناسبة، يذهب آخرون إلى اعتبار ذلك مظهرًا مسيئًا ولا يعبِّر عن التضامن مع بقية أبناء الشعب الفلسطيني الذي يمر بشكلٍ عام بظروف صعبة.
كما اختلفت آراء الخبراء والمختصين، حيث رأى قسمٌ منهم أن السعي غير المسبوق لإقامة أعراس تتميز بالبذخ والترف بين صفوف الفلسطينيين قد تراها بعض الأقطار العربية مسألة عادية جدًا، بالإضافة لكونها تتماشى مع "العصرنة والتطور"، في حين اعتبرها آخرون ابتعادًا عن العادات والتقاليد، وتقليدًا "فجًّا" للمجتمعات الغربية.
وهو ما دفع قاضي القضاة الفلسطيني الشيخ تيسير التميمي إلى دعوة المواطنين للكفِّ عن الظواهر السلبية المتبعة في الأفراح والمناسبات، مشيرًا إلى أنها مسلكيات غير حضارية وظواهر سلبية خطيرة، وتتنافى مع العادات الاجتماعية الأصيلة.
وبات الزواج في المجتمع الفلسطيني ضربًا من ضروب التفاخر والمباهاة، ولم يعد الارتباط بين قلبين محصورًا على المهر والشبكة وحفلة بسيطة يحضرها أقارب العريسين، بل تجاوز ذلك إلى حجز أفخم القاعات التي تتراوح تكلفتها ما بين 1000 و10 آلاف دولار بحسب حجم القاعة والخدمات التي تقدمها، وكذلك اختيار بطاقات الدعوة، فهناك بطاقات تكلفة الواحدة منها 5 دولارات وأخرى نحو 50 دولارًا.
وفيما يخص إحضار فرق موسيقية ومطربين لإحياء حفل الزفاف، فأجرتها تزيد عن 10 آلاف دولار، هذا إلى جانب المصاغ الذهبي (غرام الذهب 20 دينارًا أردنيًا)، وفستان الزفاف (المبلغ مفتوح)، وقالب الجاتوه وبوفيه الطعام وغيرها.
تقول ميساء: "تزوجت صديقتي منذ شهر وأنفقت أموالاً كثيرة في حفلة العرس، فقد كان مثقلاً بالعديد من المتطلبات التي انتهى دورها بانتهاء الحفل، لقد طلبت من شركة مختصة تجهيز قاعة الحفل التي كانت في فندق فخم، حيث كانت اكسسوارات الطاولات من زينة وورود منسقة وشموع باهرة ومكلفة جدًا، هذا بالإضافة إلى الولائم والطعام مما لذَّ وطاب".
وتضيف لـ"الأسواق نت": "ما يحدث في بعض حفلات الزواج من بذخ وترف زائد يعد جنونًا، وللأسف بعض الفتيات يهتممن أثناء الإعداد لحفلهن بصغائر الأمور، ولا تكن لديهن أي نظرة مستقبلية للأيام المقبلة من الزواج، كل ما يفكرن به كيف يتظاهرن أمام صديقاتهن، ولا تبالين بالمقدرة المادية لأزواجهن الذين قد يستدينون من أجل أن يحققوا لهن ما تردن من منظرة زائفة".
ويتردد الحديث منذ مدة عن إحدى حفلات الزفاف التي أقيمت في إحدى ضواحي مدينة رام الله، فقد كانت كميات الأطعمة التي قدمت للمدعوين خلال حفل الزفاف كبيرة جدًا، حيث يذكر البعض أن عائلة العريس قد ذبحت نحو 30 خروفًا.
فرحة النجاح في امتحان الثانوية العامة لدى الفلسطينيين لم تكن "بالمجان"، فقد رافقها العديد من مظاهر البذخ والإسراف.
ويشير سعيد أمين من مدينة رام الله- وهو والد إحدى الناجحات- إلى أن فرحتهم بنجاح كريمته كلفته نحو 30 ألف شيكل (الدولار يعادل 3.4 شيكل) توزعت ما بين نشر تهنئة لها في عددٍ من محطات التلفزة المحلية التي ارتفع فيها سعر الإعلان إلى 3 أضعاف عن الأيام العادية، بالإضافة إلى نشر تهنئةٍ لها في إحدى الصحف اليومية، وكذلك شراء حلويات وعصائر للمهنئين.
ويضيف لـ"الأسواق نت": "اضطررت أن أحجز قاعةً خاصة للمباركة كلفتني نحو ألف دولار، نظرًا لإصرار والدتها على ذلك أسوةً بأخريات، وطبعًا سبق ذلك شراء ما يلزم من بسكويت ومشروبات، وكذلك شراء ملابس لابنتي الناجحة ووالدتها وشقيقاتها، بلغت كلفتها أكثر من 5 آلاف دولار".
يذكر أن حفلة استقبال المهنئين كانت حتى وقتٍ قريب تقام داخل المنازل، وكانت تمتاز بالبساطة الشديدة، حيث كانت تكلفتها متواضعة.
وكان لتغير الطبائع والانفتاح الحضاري وانقلاب الأزمنة أثرٌ كبير في تغير نظرة الناس وفئة الشباب بالتحديد إلى قضايا كثيرة، واهتمامهم بالشكل والمظاهر الخداعة؛ حيث يعدد المحاضر في قسم علم الاجتماع في جامعة النجاح الوطنية بنابلس أباهر السقا العوامل التي دعت الناس إلى الاتجاه نحو التفاخر بالمظاهر والإسراف والترف في حفلات الزفاف، منها المحاكاة الاجتماعية وتقليد المجتمع الغربي.
ويضيف لـ"الأسواق.نت": "هذه المحاكاة مرتبطة بتغير أنماط السلوك الاستهلاكي، وبما فيها تقاليد الزواج وأيضًا اختلاف وتغير نظام العمارة؛ إذ لم يعد هناك البيوت الكبيرة التي تستوعب هذه الأعداد الهائلة من الحضور، كما أن القاعات الفاخرة مثلاً ترمز إلى العصرنة، إذ تعد شكلاً من أشكال الحضارة الغربية، ما يعني ضرورة مواكبة تطورات العصر ومجراته.